الثعلبي

8

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

دفعة نَزَّلَ عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِّ : بالعدل ، والصدق ، مُصَدِّقاً : موافقا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ : لما قبله من الكتب في التوحيد ، والنبوّات ، والأخبار ، وبعض الشرائع . وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ قال البصريون : أصلها ووريه دوجله وحرقله فحوّلت الواو الأولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفا فصارت توراة ، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة ، وقال الكوفيون : هي تفعله والعلة فيه ما ذكرنا مثل ( توصية ) ، و ( توفية ) فقلبت الياء ألفا كما يفعل طيئ ، فيقول للجارية : جاراة ، وللناصية : ناصاة ، وأصلها من قولهم : « وري الزند » إذا أخرجت ناره وأولته أنا ، قال اللّه عز وجل : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ « 1 » ، وقال : فَالْمُورِياتِ قَدْحاً « 2 » فتسمى تورية ؛ لأنه نور وضياء دلّ عليه قوله تعالى : وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ « 3 » قاله الفراء ، وأكثر العلماء ، وقال [ المؤرج : ] هي من التورية وهي كتمان الشيء والتعريض لغيره . ومن الحديث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « إذا أراد شيئا وري بغيره » [ 5 ] . وكان أكثر التورية معارض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح ، وقيل : هي بالعبرانية « نوروثو » ومعناه : الشريعة . والإنجيل أفضل من [ النجل ] وهو الخروج ، ومنه سمّي الولد « نجلا » لخروجه . قال الأعشى : أنجب أزمان والداه به * إذ نجّلاه فنعم ما نجلا « 4 » فسمي بذلك ؛ لأن اللّه تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا . ويقال : هو من المتنجل ، وهو سعة الجن ، يقال : قطعته نجلا أي : واسعة فسمي بذلك ؛ لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم نورا وضياء ، وقيل : هو بالسريانية « انقليون » ومعناه : الشريعة : وقرأ الحسن الْأَنْجِيلَ بفتح الهمزة ، يصححه الباقون بالكسر مثل : الإكليل . مِنْ قَبْلُ رفع على الغاية والغاية هاهنا قطع الكتاب عنه كقوله تعالى : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وقال زهير : وما كان من خير أتوه * فإنّما توارثه آباء آبائهم قبل « 5 »

--> ( 1 ) سورة الواقعة : 71 . ( 2 ) سورة العاديات : 2 . ( 3 ) سورة الأنبياء : 48 . ( 4 ) الصحاح : 1 / 222 . ( 5 ) تفسير القرطبي : 3 / 173 .